فخر الدين الرازي

148

تفسير الرازي

إلا بسبق جهل آخر ، وذلك أيضاً يوجب توقف الشيء على نفسه ، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا عن محدث ، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى ، والأول باطل ، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال ، فتعين أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو الله تعالى ، فنص القرآن دل على أن أحوال القلوب من الله ، والدلائل العقلية دلت على ذلك ، فثبت أن الحق ما ذكرناه . أما القائلون بالقدر فقالوا : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، وبيانه من وجوه : الوجه الأول : قال الجبائي : إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز ، وأمر العاجز سفه ، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا الله بصعود السماء ، وقد أجمعوا على أن الزمن لا يؤمر بالصلاة قائماً ، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى ؟ وقد قال تعالى : * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * ( البقرة : 286 ) وقال في المظاهر : * ( فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ) * ( المجادلة : 4 ) فأسقط فرض الصوم عمن لا يستطيعه . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول . وذكر هذا الكلام في معرض الذكر والتحذير عن ترك الإجابة ، ولو كان المراد ما ذكرتم لكان ذلك عذراً قوياً في ترك الإجابة ، ولا يكون زجراً عن ترك الإجابة . الوجه الثالث : أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار ، لا ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المعنى ما ذكرتم لصارت هذه الآية من أقوى الدلائل للكفار على الرسول ولقالوا إنه تعالى لما منعنا من الإيمان فكيف يأمرنا به ؟ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر ، قالوا ونحن نذكر في الآية وجوهاً : الأول : أن الله تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت ، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لا بد منه ويحول بينكم وبين الطاعة والتوبة . قال القاضي : ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدل عليه وهو قوله : * ( وأنه إليه تحشرون ) * والمقصود من هذه الآية الحث على الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها . الثاني : أن المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل ، فكأنه قال : بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأماني الحاصلة في القلب لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم ، سال الوادي . الثالث : أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال يوم بدر ، فكأنه قيل لهم ، سارعوا إلى الطاعة ولا تتمنعوا عنها